المقريزي

306

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

يجد ثم يرحل عنها إلى غيرها حتى أتى على عامّة بلاد الصّعيد ، وعاد وقد خرّبها تخريبا يخاف سوء عاقبته أن يكون منه وبسببه تدمير الإقليم وأهله . فلما استقرّ بالقاهرة حمل من ذلك إلى السّلطان ما يليق به ، ورمى الأعسال والقنود « 1 » والغلات على النّاس بأغلى الأثمان سوى ما يلزمهم لأعوانه من المغارم الثّقيلة . ثم سار في يوم الجمعة نصف المحرم سنة سبع عشرة إلى الوجه البحري فعند ما نزل قليوب جفل النّاس من القرى خشية أن يصيبهم ما أصاب أهل الوجه القبلي ، فلم يعاملهم كما عمل مع أهل الصّعيد بل فرض على كل بلد مالا معيّنا من الذّهب . وكان البائس مهابا ، عظيم الحرمة ، نافذ الكلمة ، مطاع الأمور ، فلم يقدر أحد من أهل البلاد الجارية في إقطاعات الأمراء وفي حماياتهم أن يتخلّف عن الحضور بما فرضه عليه ، فجبى من ذلك قناطير من ذهب . وعاد بعد أيام وتوجه إلى بلاد الشام وكان السّلطان قد سار إلى محاربة الأمير نوروز نائب دمشق ، فأقام عنده وأعانه بما قدم به من المال ، وشهد حروب نوروز ، فلما ظفر السّلطان بنوروز بلغه عن السّلطان أنه يريد الفتك به ، ففر إلى بغداد وأقام عند الأمير قرا يوسف بن قرا محمد . ثم قدم إلى دمشق وبها السّلطان في أثناء سنة ثمان عشرة فولّاه كشف الوجه البحري ، وقدّمه بين يديه إلى القاهرة فقدمها في « 2 » . . . وسار إلى الوجه البحري فجرى على عادته في كثرة سفك الدّماء وأخذ الأموال . فلما قدم السّلطان من دمشق أعاده إلى الأستادارية عوضا عن بدر الدين حسن بن محب الدين ، وبعث إليه التّشريف « 3 » في يوم الأربعاء

--> ( 1 ) جمع قند ، وهو عسل قصب السكر إذا جمد . ( 2 ) بياض في الأصل . ( 3 ) في الأصل : « الشريف » خطأ ظاهر .